السيد محمد بيرم الخامس التونسي
98
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
وخمسة وسبعين نفسا ، ثم استقلوا في أحكامهم وملكهم . وفي أواخر هذا القرن أعني منذ نحو عشرين سنة استولى ملكهم رجل عاقل من عائلة الملك ، وشمر عن ساعد الجد في إحداث عصر جديد للمملكة حتى خرجت عن أن تشبه الممالك الشرقية ، وصارت كأنها دولة ومملكة أوروباوية غربية من أعظم الممالك ذات السطوة والشأن والتمدن والتقدم والمعارف والصنائع ، وذلك أنه تولى ملكهم المسمى « الميكادو » وكان حدث السن ذا أخلاق حسنة وتربية صالحة ، وكان معجبا بأحوال الأوروباويين القادمين إلى دولته للسياحة والتجارة ، وكان سمع من أحوال أوروبا وتقدمها ما هو معروف ورأى من تقهقر مملكته وما جاورها ما أوجب له العزم على تغيير حالتها ، ولكنه خشي من تمسك قومه بالعادات القديمة التي يحافظون عليها كأهالي الصين ، لكنه استعان بالخلة المخصوصة بها أمّته وهو إعجابهم بالحوادث الجديدة ، فابتدأ بتغيير زي المتوظفين ورؤوساء الدولة وجعله على النحو الأوروباوي ، وبقي هو في ذاته على الزي القديم مختبرا لأفكار القوم بذلك ، فلم ير منهم إلا الإسراع والاستحسان لما أمر به فلم يلبث أن غير زيه في نفسه . وأرسل سفراء إلى أوروبا لاستقراء ما فيها من أصول المنافع والصنائع وآلات الحرب وحركاته ، وجلب المبادئ المحتاج إليها في مملكته من علماء وآلات وغير ذلك . ثم ألزم أمّته بإعطاء الحرية العمومية حيث كانوا تحت حكم الأشراف ، بمعنى أن كل عائلة شريفة تملك قسما من الأراضي بمن فيها من الناس يكونون تحت عبوديتهم وامتثال أوامرهم ، فأبطل هاته العادات وانتخب من قوانين ممالك أوروبا ما صلح في نظره وصلحه على مقتضيات عادات بلاده وأمر بالعمل به . كما ألزم العمل بالطريقة العسكرية في حركات الحرب المعمول بها في أوروبا ، وألزم كل ذكر يبلغ سن العشرين بالإنتظام في سلك العسكرية للدفاع عن الوطن على قانون معروف ، وفتح المكاتب والمدارس في العلوم الرياضية وغيرها ، وكثر منها التكثير اللازم . وألزم الأهالي بعقد الشركات للبريد وأنواع التجارة والفلاحة ، وفتح الطرق الحديدية واستخراج المعادن ، وزيادة عما جلبه من السلاح الأوروباوي من الطراز الجديد ، أحدث معامل في مملكته وأنشأ السفن حتى كانت عنده إحدى عشرة مدرعة ، وبالجملة : فإن انقياد الأمّة الجابونية إلى هذا الملك وتقدم هاته المملكة في أسرع وقت من عجائب هذا القرن التي تخلد في التواريخ ، وستأتي قوّتها الحربية والمالية في جدول الدول . وعلى ما تقدم فتعتبر كإحدى الدول الأوروباوية الأول المتقدمة ، وفيها من الثروة والتمدّن والغناء ما في ممالك أوروبا وما في مملكة الصين ، وقاعدة هاته المملكة مدينة « جدو » في جزيرة نيغون التي بها جبال بلكان كثيرة ولأجلها يكثر فيها الزلزال ، ومعادنها غنية وأصل ديانتهم كديانة أهل الصين .